الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

255

شرح ديوان ابن الفارض

[ المعنى ] « الأكمه » الأعمى يولد بالعمى من بطن أمه . وقيل عام كمه على وزن فرح عمي . قوله « سرا » أي لو جليت هذه المدامة في السر لا في الجهر على أعمى قد ولد كذلك صار بصيرا وزال عنه ذلك الوصف ، ثم أعقب ذلك بقوله « ومن راووقها » اعلم أن الراووق المصفاة ، والباطية . « تسمع الصم » يعني أن الأصم الذي لا يسمع لو أصغى إلى صوتها وهي تسكب في الراووق لتصفى لعاد إليه سمعه وثاب إليه نفعه وفي هذا البيت زيادة على الأبيات الأخر لأن فيه إرجاع حاستين إلى الأذن والعين ، وهما السمع ونور العين . وفي التعبير بالصم مبالغة لاقتضائه أن الجماعة الذين فقدوا أسماعهم يعودون إليها بمجرد الإصغاء إلى صوت المدامة عند نزولها إلى الراووق وإن أردت إجراء الثاني على نمط الأول يكون المراد من الصم الإفراد . ( ن ) : قوله ولو جليت سرا الضمير راجع إلى المدامة المذكورة والمعنى في ذلك انكشاف الحقيقة الوجودية الجامعة . وقوله أكمه هو العبد الغافل المحجوب بنفسه عن معرفة تجليات ربه . وقوله غدا ، أشار به إلى انشقاق فجر السالك بعد ظلمة ليلته بالفتح الرباني والمدد الرحماني . وقوله بصيرا أي ذا بصر يرى به ما لم يكن يرى ، ويكشف ببصيرته عن أسرار الورى . وقوله ومن راووقها يشير بالراووق إلى العقل الذي للإنسان الكامل فإنه لا يهجم على الإدراك وصاحبه لا يدرك به ، وإنما يدرك بنور ربه ثم يعرض ما أدركه بنور ربه على عقله . وعقله يصفي ذلك من كدر الأغيار ودنس الآثار فهو الراووق وهو الفاروق . وقوله تسمع الصم ، يكني بالصم عن الغافلين الذين لا يسمعون الحق لاشتغالهم بالباطل ، وبالسمع عن كونهم يسمعون من راووقها الذي هو العقل النوراني ولا يقدر أحد أن يسمع كلام أهل اللّه تعالى العارفين بربهم إلا إذا سمعه من عارف بربه ، فإذا سمعه من غير العارف أو تلقاه من الكتاب وفهمه بعقله الظلماني فما ذلك بكلام أهل اللّه العارفين به وإنما هو كلام نفسه . اه . ولو أنّ ركبا يمّموا ترب أرضها وفي الرّكب ملسوع لما ضرّه السّمّ « الركب » ركبان الإبل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعدا ، وقد يكون للخيل . و « يمموا » أي قصدوا . و « ترب » بضم التاء وسكون الراء بمعنى التراب ، والأرض أشمل من التراب لكونها عبارة عن مواطىء الأقدام وما تحتها فإضافة الترب إليها بمنزلة إضافة الجزء إلى الكل ، ويجوز أن تكون الإضافة بيانية . والواو في قوله « وفي الركب ملسوع » واو الحال بتقديم الميم على اللام من اللسع ، وهو لدغ الحية وقرصها . و « اللام » في لما لام جواب لو ، و « ما » نافية والسم فاعل .